السيد منذر الحكيم
90
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر
والقيم ، ولكنّه لن يقدم على شي من هذه البطولات ما لم يحسّ فيها بلذّة خاصّة ، ومنفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن إيثاره لولده وصديقه ، أو تضحيته في سبيل مَثَل من المُثُل التي يؤمن بها . وهكذا يمكننا أن نفسِّر سلوك الإنسان بصورة عامّة ، في مجالات الأنانية والإيثار على حدٍّ سواء . ففي الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوّعة : مادّية ، كالالتذاذ بالطعام والشراب ، وألوان المتعة الجنسيّة ، وما إليها من اللذائذ المادية ، أو معنوية ، كالالتذاذ الخُلقي والعاطفي ، بقيم خُلقية ، أو أليف روحيٍ ، أو عقيدة معيّنة ، حين يجد الإنسان أنّ تلك القيم ، أو ذلك الأليف ، أو هذ العقيدة جزء من كيانه الخاصّ . وهذه الاستعدادات التي تُهيّي الإنسان للالتذاذ بتلك المُتع المتنوّعة ، تختلف في درجاتها عند الأشخاص ، وتتفاوت في مدى فعليّتها باختلاف ظروف الإنسان ، وعوامل الطبيعة والتربية التي تؤثّر فيه . فبينما نجد أنّ بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعية ، كاستعداده للالتذاذ الجنسي مثلًا ، نجد أنّ ألواناً أخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان ، وتظلّ تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نضجها وتفتّحها . وغريزة حبّ الذاتمن وراء هذه الاستعدادات جميعاً - تحدّد سلوك الإنسان وفقاً لمدى نُضج تلك الاستعدادات . فهي تدفع إنساناً إلى الاستئثار بطعام على آخر وهو جائع ، وهي بنفسها تدفع إنساناً آخر لإيثار الغير بالطعام على نفسه ؛ لأنّ استعداد الإنسان الأوّل للالتذاذ بالقيم الخُلقية والعاطفية ، الذي يدفعه إلى الإيثار كان كامناً ، ولم تُتِح له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميته ، بينما ظفر الآخر بهذا اللون من التربية ، فأصبح يلتذّ بالقيم الخُلقية والعاطفية ، ويضحّي بسائر لذّاته في سبيلها . فمتى أردنا أن نُغيّر من سلوك الإنسان شيئاً ، يجب أن نُغيّر من مفهوم اللذّة والمنفعة عنده ، وندخل السلوك المقترح ضمن الإطار العامّ لغريزة حبّ الذات ، فإذا